دكتور عبد العزيز الدوري
68
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
القبائل على قريش . ويبدو عدم إدراكهم لفكرة الدولة من صيحتهم المشهورة « لا حكم إلا للّه » ، فعلّق الإمام علي قائلا : « كلمة حق يراد بها باطل . نعم إنه لا حكم إلا اللّه ، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا للّه وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر » « 28 » . وكان أول إعلان عن وجهتهم في الحكم قولهم : « الأمر شورى بعد الفتح والبيعة للّه عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » « 29 » ، وفيه احتجاج جذري على استئثار قريش بالسلطة . وهكذا تظهر في حركة الخوارج النزعة القبلية في عدم الخضوع للسلطان وللحكم المركزي . ويظهر في حركتهم السخط على قريش والتذمر من انفرادها بالخلافة فإنهم جعلوا أساس نظريتهم أن يكون الإمام عربيا ( أخيرا وسعوا الحق للموالي ) من أفضل الأمة ، ولا يرون ضرورة للنسب القرشي . ويظهر أنهم كانوا يتربصون بالإمام الفرص حتى إذا ما قبل التحكيم قالوا : « إنه محا عن نفسه إمرة المؤمنين » فرأوا الخروج عليه ، وقد أوحى لهم مقتل عثمان فكرة إمكان الثورة على الإمام . في مثل هذه البيئة القبلية وفي وسط الاتجاهات القبلية أراد علي أن يسير على سياسة إسلامية ، ولذلك كان كمن يطرق في حديد بارد . أمّا معاوية فثأر على أساس قبلي ، وصوّر للشاميين أنّ عليا مالأ على قتل عثمان ، وقام مطالبا بدمه ودعا للثأر وحاول أن يسترضي ويكرم ، وبث الدعاية ، وكان زواجه من ميسون بنت بحدل الكلبي ( من كلب اليمانية ) سندا قبليا قويا له . وسار على سياسة قبلية : يسترضي الرؤساء ويقرب الشعراء ويستعمل المكر والدهاء . فالصدام بين علي ومعاوية كان صداما بين ممثلي تيارين ، ممثل التيار الإسلامي يسير على سياسة إسلامية في وسط قبلي فيصطدم بظروفه وبخصمه في آن واحد . وممثل التيار القبلي ، يسير على سياسة قبلية في وسط قبلي . فلا غرابة أن انتصر معاوية ، فالظروف والأوضاع كانت مواتية له . وكان انتصار معاوية انتصارا واضحا للتيار القبلي ، وقد جاء الأمويون على هذا الأساس ، فكانت دولتهم نتيجة طبيعية لتطور الأوضاع العامة في عصر الراشدين من دون أن يحصل انقطاع في التطور التاريخي .
--> ( 28 ) المصدر نفسه ، ص 555 ، وابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، ج 2 ، ص 307 . ( 29 ) الطبري ، تاريخ الطبري : تاريخ الرسل والملوك ، ج 5 ، ص 63 .